منير سلطان

49

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

فقدم قدامة بن جعفر كتابه ( نقد الشعر ) وإسحاق بن وهب كتابه ( نقد النثر ) استمرارا للطريق الذي بدأ بترجمة آثار اليونان . أما المتكلمون فقد ظل نشاطهم في هذه المباحث متصلا ، وكان من أهم ما وصلهم بها أنهم عنوا بتعليل إعجاز القرآن وتفسيره بلاغيا وكانوا معتدلين ، فهم لا يحافظون محافظة اللغويين ، ولا يسرفون في التجديد ، بل يقفون موقفا وسطا وهو موقف جعلهم يقبلون على معرفة ما عند الأجانب من قواعد البلاغة ، ولكن في احتياط ، وهو احتياط يمثله الجاحظ خير تمثيل ، حين يضيف إلى الشذرات التي رواها عن الأمم الأجنبية سيولا من ملاحظات العرب المعاصرين والقدماء وأساتذة الاعتزال وبلغاء الكتاب ، وسيولا أخرى من الشعر والنثر لتتضح حقيقة البلاغة العربية . ومع المتكلمين سارت القضية في اطراد ، بها آثارهم الكلامية وجهودهم في البلاغة . وتتالت كتابات المتكلمين في الأعجاز من النظّام حتى السكاكى المعتزلي ، ومن الباقلاني حتى الرازي الأشعري . ثم خفت ضياء الابتكار حين اقتصر همّ الباحثين على شرح كتابات الجرجاني ، ومن بعد تلخيص كتابات السكاكى والرازي ثم انتهت التلخيصات إلى حواش وتقارير ، إلى أن صارت « تلك الشروح المادة الأساسية لتعليم البلاغة في كل البيئات المعنية بالعربية على اختلاف الأفكار وتفاوت الأمصار » « 1 » . ونلحظ من هذا أن البلاغة قد عاشت في بيئة المتكلمين وتحت رعايتهم ، وعلى يدهم ازدهرت وأينعت ، وهذا الارتباط الذي أفادها حين كان المتكلمون يجمعون بين الفن والفلسفة ، هو نفسه الذي جمّدها حين صار المتكلمون لا يجيدون إلا الفلسفة . وقد وطدت قضية الأعجاز صلة المتكلمين بالأدب ، كما أخضعت التأليف البلاغي لها منذ عهد ازدهار البلاغة إلى قبيل أن تتجمد .

--> ( 1 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 352 .